The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
06.30.26

خزانات الكورال تذكّي ذاكرة انفجار المرفأ: "الكلّ يعلم" والكلّ لم يتعلّم شيئًا

أماني البعيني

اليوم، وعند حدود العاصمة بيروت، شارفت شركة كورال، على إنهاء تنفيذ أعمالها التوسّعية الرامية لإضافة 20 خزّانا جديدًا مخصّصا للمشتقات النفطيّة السائلة والمسيلة، في منطقة برج حمّود المكتظّة بالسكان والمؤسّسات التجارية والصناعية. وكان الإعلان عن بدء المشروع قد أثار موجةً من الاعتراضات الشعبيّة والرسميّة في المنطقة، على خلفيّة المخاوف من حصول انفجار مُشابه لانفجار مرفأ بيروت، الذي ما زال حيّا في ذاكرة السّكان هنالك. وفيما نجحتْ مجموعةٌ من الشّركات العاملة على مقربةٍ من الخزّانات المُستحدثة في انتزاع قرارٍ من مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ الأعمال المرخّصة، فإنّ هذا المجلس عاد وسمح باستئناف هذه الأعمال تبعًا لإجاباتٍ وردتْه من التّنظيم المدنيّ ومن وزارة الاقتصاد والداخلية والبلديات والبيئة التي أكّدت موافقتها على "دراسة التدقيق البيئي" للمشروع. وهذا ما سمح لشركة كورال باستكمال منشآتها بمباركة إداريّة واضحة وانكفاء قضائي، تماما كما استعمر النترات مرفأ بيروت لينفجر بعد سنواتٍ فيها، غير عابئة باعتراضات سكّان المنطقة أو حقّهم بالأمان. وفي حين هال الرأيَ العامّ أن يكتشف أنّ "الكلّ كان يعلم" بشأن النترات وأنّ أحدًا لم يحرّك ساكنًا لدرء الخطر عن العاصمة، ها نحن نشهد بالعين المجرّدة قيام مشروعٍ لا يقلّ خطورةً على مقربةٍ من المرفأ بتناغم تامّ مع السلطات العامة، فيما يشكّل حالةً تطبيقية جديدة ومكرّرة DEJA VU لما أسمته المفكرة القانونية "تسفيه الخطر العام". ومؤدّى ذلك إنشاء منطقة جديدة تتهدّد سكانها بالموت أي "منطقة موت" تنضمّ إلى عشرات المناطق الجاثمة على قلوب اللبنانيين هنا وهنالك. فكأنّنا لم نتعلّم شيئًا من مأساة انفجار المرفأ، من مشهديّة ذوي الضّحايا، من معارك العدالة: كأنّنا لم نتعلّم أنّ أيّ مسؤول يتخلّى عن مسؤوليّته أو يهمل ممارستها في مسائل كهذه، إنما يجازف قصدًا في التسبّب بمأساة جديدة بحقّ شعبه ويرتكب بفعل ذلك فعل تحوير سلطة بل خيانة ذات طابع جرميّ، سواء وقع الانفجار أم لم يقع.

وانطلاقًا من خطورة هذا المشروع على أمن العاصمة وما يعكسُه من تخلّ عن المسؤوليّة وتمادٍ في تسفيه الخطر العامّ، أجرت المفكّرة هذا التحقيق الأوليّ الذي أردنا منه توثيق مسار الترخيص للمشروع والحجج القانونية التي تذرعت بها الإدارات المعنية لتمريره أو التنصّل من أيّ مسؤوليّة عنه والتّدقيق في مدى صحّتها. وقد أجرينا لهذه الغاية سلسلةً من المُقابلات مع جهاتٍ ومصادر إداريّة وقضائية، ومع أبرز الخبراء المعنيين والحقوقيين الناشطين والمطلعين على القضية.

وقبل المضي في ذلك، كان لا بدّ من استعادة لأهمّ محطّات هذه القضيّة.

في استعادة سريعة للمراحل التي قطعها مشروع خزانات الكورال

بعد التّدقيق في الملفّ، تبيّن لنا أن أول إجراء رسميّ في هذا الخصوص تمثل في القرار رقم 802/2017، الصادر في تاريخ 14 أيلول 2017 (أي قبل قرابة 3 سنوات من انفجار مرفأ بيروت)، عن وزير الطاقة والمياه الأسبق سيزار أبي خليل. وقد نص القرار على أن وزارة الطاقة، بما لها من صلاحيات قانونيّة، لا تمانع على الموافقة على طلب شركة كورال لجهة إضافة الخزانات العشرين الجديدة المخصصة للمشتقات النفطية السائلة والمسيلة على العقار رقم 23 برج حمود، على أن يأخذ الملفّ العائد للإنشاءات الجديدة مساره القانوني الصحيح لدى الإدارات والدوائر الرسمية المختصة وفقا للأصول… وعلى أن يتم تقيّد الشركة بتطبيق القوانين والأنظمة النافذة. وهذا ما سيفتح الباب أمام سلسلة من القرارات الإدارية. هذا مع العلم أن وزارة الطاقة والمياه عادت وأكدت على موافقتها بموجب كتاب مؤرخ في 21 كانون الأول 2025 بناء على تقرير لشركة "اللبنانية العالمية للمراقبة ش.م.م" المعتمدة من قبل الوزارة للإشراف مؤكدة أن عملية إضافة الخزانات مطابقة لجميع بنود ومعايير السلامة العامة والمقاييس والمواصفات المطلوبة بموجب المرسوم 5509/94 كما وللمعايير العالمية، وفق ما أعلنه رئيس بلدية برج حمود في جوابه على طلب الحصول على معلومة.

وبالفعل، بعد 3 أشهر من صدور هذا القرار، تقدّمت الشركة بطلب كشف فني للحصول على رخصة بناء في اتحاد بلديات المتن الشمالي في تاريخ 14 كانون الأول 2017، واستحصلتْ على الموافقة في تاريخ 14 آذار 2018، والتي بموجبها تم إصدار رخصة البناء من قبل بلدية برج حمود رقم 1314، لتبدأ في تاريخ 24 نيسان 2018 لغاية 23 نيسان 2024؛ وقد اعتبرت وزارة الداخلية أنها تبقى صالحة حتى تاريخ 8 آذار 2027 "نظرا لتطبيق أحكام قوانين تعليق المهل وتمديد المهل (كتاب وزارة الداخلية والبلديات بتاريخ 29 نيسان 2026، بناء على كتاب محافظ جبل لبنان وتقرير المراقب الصحّي في مصلحة الصحة في المحافظة والذي أبرزته هيئة القضايا أمام مجلس شورى الدولة).

وقد حصلت الشركة، وفق ما أرفق بكتاب بلدية برج حمود، على أمر المباشرة بالتنفيذ المسجل لدى نقابة المهندسين في طرابلس في تاريخيْ 2 تشرين الأول 2018 و30 أيار 2025. ويرجّح أن تكون الشركة قد تحسّبت صعوبة مباشرة الأعمال بعد انفجار المرفأ فانتظرت صيف العام 2025 لتباشر أعمالها التوسّعية من دون أي تراخيص أو موافقات صادرة عن وزارة الصناعة ووزارة البيئة لجهة دراسة تقييم الأثر البيئي.

وتبعًا لمباشرة الأعمال هذه، بدأ الحراك الاحتجاجي من أهالي وسكّان المنطقة، ومن أمام موقع أعمال الشركة رفعوا اللافتات: "دماء شهداء وجرحى تفجير المرفأ بعدها سخنة" و"حياة ولادنا أهم من جشعكم"..، ومع تصاعد الاحتجاجات في شباط 2026، انضم عدد من النّواب الى صفوفهم رفضًا لأعمال التوسعة واعتراضًا على الانتهاكات القانونية التي تشوبها. كما وجّه النواب، حليمة القعقور وإبراهيم منيمنة ونجاة عون صليبا وبولا يعقوبيان وسينتيا زرازير، إلى الحكومة في تاريخ 27 كانون الثاني 2026 سؤالًا حول قانونية المشروع. وقد تمحور هذا السؤال حول "السند القانوني للمنشآت المستحدثة المتمثّلة بقرابة 20 خزّان جديد للغاز والمحروقات بسعة تتعدّى الـ 12 ألف مترا مكعبا من الغاز السائل إضافة إلى مواد ومحروقات مختلفة. وعمّا إذا كان يوجد دراسة أثر بيئي.." وعن أسباب "عدم أخذ أي إجراءات لمنع وقمع المخالفات الكبيرة المهددة للسلامة العامة خاصة وأننا لم ننسَ ما حصل في مرفأ بيروت من جريمة دمّرت نصف العاصمة وكان من المفترض بعدها أقلّه التشديد في معايير السلامة وإبعاد الأخطار المحدقة والقنابل الموقوتة عن منازل المواطنين ومؤسساتهم"، وفق حرفية ما جاء في نص السؤال. وقد أتى جواب الحكومة بعد ثلاثة أشهر مستعيدا مواقف الإدارات المختلفة والتي سنتناولها في سياق عرضها في هذا التحقيق. وتكمن أهمية هذا السؤال في كونه يحول دون أي تذرّع من قبل أي من المراجع الحكومية بأنها لم تكن تعلم.

وفي ظل التحرّك الاحتجاجي، تقدّمت بتاريخ 19 كانون الثاني 2026 مجموعة من الشركات المجاورة وأصحاب المصلحة، بمراجعة قضائية لدى مجلس شورى الدولة، عبر وكيلها القانوني المحامي روكس حبيقة، طعنا بالقرارات والتراخيص الممنوحة؛ علما أن هذه الشركات كانت قد تقدّمت من وزارة الطاقة، بتاريخ 17 أيلول 2025، بطلب اتخاذ قرار وقف أعمال شركة كورال وطلبا، بتاريخ 22 كانون الأول 2025، لإعادة النظر بالتراخيص والموافقات الممنوحة، قبل أن تشقّ المسار القضائي تباعا أمام شورى الدولة.

ومن أهم ما استندت إليه المراجعة القضائية، مخالفة أحكام مرسوم تصديق التصميم التوجيهي والنظام التفصيلي العام للمنطقة الصناعية ضمن منطقة برج حمود ورقمه 9949/2013، غياب الترخيص من وزارة الصناعة، إضافة إلى مخالفة قوانين حماية البيئة ومرسوم أصول تقييم الأثر البيئي رقم 8863/2012، لغياب إعداد دراسة الأثر البيئي. وقد أرفقت الجهة طالبة الإبطال بمراجعتها تقريرًا فنياً لشركة Socotec Liban تاريخ 4 حزيران 2026 تضمّن توصيفًا لـ 3 سيناريوهات قاتلة قد تنجم عن أي خطأ بشري أو تقني، قد يؤدي لانفجار أي من الخزانات تبعا لأي تسرب للمادة المخزّنة. ويتحصّل من السيناريوهات المختلفة أنها لها مفاعيل قاتلة في مدار يقارب الكيلومتر الواحد من المنشآت، علما أن المنطقة مكتظة بالسكان.

وقد اتخذ مجلس شورى الدولة بعد مرور شهر تقريبًا على تقديم المراجعة قرارا بوقف تنفيذ الأعمال لمدة 4 أشهر، وكلّفت بموجبه شركة كورال بإبراز كلّ التراخيص التي استحصلت عليها بعد المرسوم 7443/1931 في هذا الخصوص. كما كلّف شورى الدولة وزارة الصناعة بتقديم مطالعتها وبيان موقفها من الإنشاءات والأنشطة الموافق عليها بموجب قرار وزير الطاقة (802/2017) ولجهة إضافة 17 خزان جديد لمواد غاز النفط المسيل والبنزين والمازوت وكاز الطيران. ووزارة البيئة بالإفادة عن مصير الطلب الذي وجّهته للشركة لجهة إعداد دراسة " تدقيق بيئي ضمن مهلة شهر" وبيان موقفها من الدراسة ومراعاتها للأحكام القانونية. وقد دفعت هذه المراجعة الإدارات العامّة المعنية (وأهمّها الصناعة والبيئة ووزارة الداخلية والبلديات) إلى إبداء مواقفها. وقد انقسمت الإدارات عمومًا إلى فئتين: (1) فئة سعت إلى تبرئة نفسها والتهرّب والتنصّل من مسؤولياتها، لتقديرها وعلمها بفداحة الكارثة التي قد تحل بمنطقة برج حمود، بل ببيروت وناسها، عند وقوع أي خطأ بشري، أو خلل تقني، مهما كان بسيطًا إلا أن تبعاته قد تكون مأساوية. هذا ما نستشفّه مثلا من رد وزارة الصناعة؛ و(2) فئة ثانية عمدتْ إلى تدعيم التّرخيص من خلال اتخاذ إجراءات معينة. الموقف الأبرز في هذا الخصوص، هو موقف وزارة البيئة التي أفادتْ مجلس شورى الدّولة في تاريخ 26 آذار 2026 بالموافقة على "الفحص البيئي المبدئي". ويرجح أن يكون هذا الجواب هو الذي قاد الأخير إلى الرجوع عن قراره في وقف التنفيذ بعد شهرين تقريبا من لائحة وزارة البيئة؛ وهو الأمر الذي سمح لشركة كورال باستكمال الأعمال.

بعد ذلك، عادت الشركات المدّعية إلى تقديم طلب وقف تنفيذ جديد على ضوء الملف الإداري الذي تقدّمت به الدولة الى مجلس شورى الدولة، وينتظر أن يُنظر فيه خلال الأيام أو الأسابيع القادمة.

كما عمد بعض الناشطين السياسيّين إلى مواكبة هذه القضيّة، من منطلق حماية المنطقة إزاء خطر محدق فضلا عن مكافحة الفساد وانحراف السلطات العامّة. أبرز هؤلاء، المحامي علي عبّاس الذي عمل على تكوين ملفّ متكامل انطلاقا من حق الوصول للمعلومات. ويسجل عباس أنه حصل على إجابات من وزارتي الطاقة والصناعة وبلدية برج حمود، علما أنه تبين أن وزارة الطاقة حجبت في جوابها المستند الأهم وهو القرار 802/2017 الصادر عن وزير الطاقة. أما جواب وزارة البيئة فكان عبارة عن اتصال هاتفي من مكتب وزيرة البيئة، وفق عباس، أعلمه أن شركة كورال لم تتقدم من وزارة البيئة بأي ملف لتوسعة منشآتها، وأنّ لا أثر لتقدّمها بدراسة تقييم الأثر البيئي نهائيا، وأن الوزارة ستعمل على صياغة هذه المعطيات بكتاب تبلّغه إياه وفق الأصول القانونية، "ولا زلت حتى اليوم أنتظر الرد" يوضح عباس للمفكّرة (علمًا أنّ هذا الأمر تغير فيما بعد كما أوضحنا أعلاه حيث انتهتْ وزارة البيئة إلى الموافقة على دراسة التدقيق البيئي). بالمقابل، فإن وزارة البيئة والمحافظ والتنظيم المدني لم يتكبّدوا أيّ عناءٍ لإجابة الطّلب. ويلفت عبّاس إلى أن شركة كورال قد استغلّت القنوات التلفزيونية للتلطّي خلف الحملات الإعلانية المدفوعة والممنهجة، مقابل حجب الظهور الإعلامي في شأن هذه القضية.

 

تخبّط إداري حول صلاحية الترخيص للمشروع واتفاق على تمريره


كما سبق بيانه، أصدر وزير الطاقة والمياه الأسبق سيزار أبي خليل، القرار رقم 802/2017، الذي أفاد فيه أنه بما يعود إلى الوزارة "من صلاحيات قانونية لا مانع لديها من الموافقة" على طلب الشركة لجهة استبدال خزانات قديمة وإضافة 20 خزان جديد مخصّص للمشتقات النفطية السائلة والمسيلة على العقار رقم 23/ برج حمود. على أن يأخذ الملفّ العائد للإنشاءات الجديدة مساره القانونيّ الصحيح لدى الإدارات والدوائر الرسميّة المختصّة وفقًا للأصول. وعلى أن يتمّ تقيّد الشّركة بتطبيق القوانين والأنظمة النافذة.

وهذا ما مهّد الطريق أمام السلطات المحلية ومن ثم المحافظ لمنح التراخيص اللازمة، خلافًا للمخطّط التوجيهي للمنطقة وبغياب دراسة الأثر البيئي والتراخيص المفروضة قانونا. وفيما نناقش على حدة مسألتي مخالفة المخطط التوجيهي وغياب دراسة الأثر البيئي، نتوقّف هنا عند مدى مراعاة صلاحيات الجهات المعنية لمنح تراخيص من هذا النوع. وأهم ما يمكن تسجيله هنا، الأمور الآتية:

أولًا، إن القرار رقم 802/2017 لم يتضمّن موافقة صريحة على منح الترخيص وهي معاملة جوهرية وفق ما توجبه المادة 4 من المرسوم 5509/1994، بل فقط أن لا مانع لدى الوزارة على الموافقة. وعلى الرغم من أن ثمة بونًا شاسعًا بين منح الموافقة والقول أن لا مانع دون الموافقة، فإن السلطات المحلية والإدارات المعنية تعاملت مع هذا القرار على أنه يشكل المسوّغ القانوني لمنح شركة كورال تراخيص البناء والتوسعة. وما يزيد من التساؤل في هذا الخصوص هو أن وزارة الطاقة أدلت أمام شورى الدولة أن هذا القرار لا يشكّل "قرارا نافذا وضارا"، وإنما هو بمثابة "كتاب يتضمن عدم ممانعة الوزارة على القيام بالإجراءات المطلوبة والحصول على الموافقات القانونية من المراجع المختصة". فكأنما الوزارة التي وضعت طلب الترخيص على السكّة التي أوصلت إلى قبوله، عادت وتنصّلت من آثاره الفعلية.

ثانيا، أن وزارة الصناعة بدورها تنصّلت من أيّ مسؤولية في هذا الخصوص، وذلك في سياق تبرير عدم استصدار أي قرار منها. وهذا ما نقرأه في جوابها بمطالعتها أمام مجلس شورى الدولة حيث جاء أنّه " ليس على الشركة أن تتقدّم من وزارة الصناعة بأيّ ترخيص لتخزين الغاز السائل إضافةً إلى مواد هيدروكربونية أخرى ومحروقات مختلفة، كون مراقبة تنفيذ شروط المرسوم 5509، المذكور أعلاه تعود لوزارة الطاقة والمياه - المديرية العامة للنفط." وهذا الموقف يلقى اعتراضا من عدد من القانونيين الذين تم الاستماع إليهم، حيث أكّدوا لنا أنّه يتناقض مع مرسوم 5243/2001 الذي نصّ صراحة على أنّ مستودعات النفط الخام والغاز الطبيعي والخدمات العائدة لها تشكّل أعمالًا صناعيّة تستوجب الحصول على ترخيص من وزارة الصناعة.

ويتأكد ذلك بموجب الاستشارة الصادرة عن هيئة التشريع والاستشارات في تاريخ 19 آذار 2003 رقم 207/2003، والتي جاء فيها "أن كل ما يتعلّق بالغاز الطبيعي من عمليات تسييله وتعبئته وحفظه وتخزينه، يدخل ضمن مفهوم القطاعات الصناعية الخاضعة لصلاحية وزارة الصناعة" وذلك تطبيقا للمرسوم 5243/2001 الذي عدّل في تصنيف المؤسسات الصناعية وضمنا الملحق بالمرسوم رقم 4917/94 في ما يخص قطاعات الصناعة وفئاتها وفروعها. والتي باتت تشمل كل ما يتعلّق بالنفط الخام والغاز الطبيعي من مستودعات وخدمات عائدة لها وصناعة. وقد انتهت الاستشارة إلى القول "أنّه وإزاء هذا الواقع التشريعيّ، تكون عملية الترخيص التي يكون موضوعها ما ذكر من تسييل وتعبئة وحفظ وتخزين للغاز قد خرجت عن يد المحافظ وانحصرت بسلطة وزير الصناعة الذي يمنح الترخيص بقرار مبني على اقتراح مدير عام الصناعة المبني بدوره على رأي لجنة الترخيص…".

كما يتأكّد بموجب القرار 413/2022 الصادر تاريخ 12/4/2022 عن مجلس شورى الدولة، في قضية يونيغاز، والتي كانت تقوم باستبدال خزانات غاز وتوسّع في استثمارها بشكل يؤدي إلى تغيير فئة التصنيف نتيجة رفع السعة. فبعدما أكّد شورى الدولة أن المرسوم 5509/94 يحصر "الرقابة الفنية في الإنشاء ومراقبة التنفيذ، في ما يتعلّق بالمنشآت النفطية" بوزارة الطاقة والمياه، فإنه أكّد أن موافقة هذه الوزارة (وهي معاملة جوهرية) هي شرط إلزامي يجب أن يسبق القرار النهائي بالترخيص الذي يعود لوزير الصناعة.

ولا يرد على ذلك أنّ المنشأة قائمة منذ العام 1931 بموجب الترخيص الصادر بموجب المرسوم رقم 7743/1931، الصادر لصالح شركة "شل كومباني أوف سوريا" (كورال حاليا)، وأنها لا تحتاج الى ترخيص جديد لإنشاء خزانات الغاز وإضافة بحدود 20 خزان. إذ عند الاطلاع على هذا المرسوم، يتبدى أنه يشمل "إنشاء مستودع للمحروقات السائلة: - بنزين وغاوزلين وغيرها على العقار الذي تملكه في بيروت بالقرب من الدورة"، ولا يشمل بحال من الأحوال تخزين مادة الغاز. وليس أدلّ على ذلك من مطالعة وزارة الصناعة التي أقرّت فيه بحصول الشركة على مجموعة من التراخيص، ليس منها الترخيص بإنشاء خزانات غاز.

وعليه فإن توسعة هذه المنشأة لناحية إضافة خزانات غاز بسعة 14000 مترا مكعبا إنما يندرج ضمن التوسّع الاستثماري المؤدّي إلى تغيير فئة الصناعة، مما يستلزم الحصول على تراخيص جديدة من وزير الصناعة (وفق الأصول والإجراءات المنصوص عنها)، مع ما ينتج عنه من وجوب التقيد بشروط فنية مختلفة وأكثر تشددا، بما يتماشى مع القوانين المرعية والأنظمة المرعية الإجراء. وهذا تحديدا ما أكّدته المادة 30 من المرسوم رقم 8018/2002، والتي تنصّ على ما يلي:

تعتبر تعديلا أو تغييرا في المؤسسات الصناعية، الحالات التالية:

1 - التوسع في الاستثمار المؤدي إلى تغيير فئة الصناعة،

2 - إضافة صناعة أخرى إلى الصناعة القائمة وإن كانت من فئة أدنى،

3 - نقل المؤسسة من مكان إلى آخر،

4 - نقل ملكية المؤسسة من مستثمر إلى مستثمر آخر…"

وهذا تحديدا ما ذهب إليه قرار شورى الدولة رقم 413/2022 في قضية يونيغاز حيث جاء حرفيا في سياق إبطال قرار توسعة الاستثمار: "ولئن كانت خزانات الغاز التابعة للشركة . قائمة بتاريخ سابق للمشروع، إلا أنّ أيّ ترخيص جديد بشأنها يخضع للنصوص المرعية الإجراء بتاريخه."

مخالفة التصميم التوجيهي والنظام التفصيلي العام للمنطقة الصناعية في برج حمود

المسألة الثانية التي يجدر مناقشتها تتمثل في مدى مخالفة الترخيص للتصميم التوجيهي والنظام التفصيلي للمنطقة الصناعية في برج حمود (المرسوم 2013/9949)، والتي تتواجد منشآت كورال وخزاناتها ضمنها. فمن أهم ما نص عليه هذا المرسوم أنه "يمكن للمؤسسات المصنّفة من الفئة الأولى والحاصلة على ترخيص دائم من قبل صدور هذا النظام، الاستمرار بالعمل بصورة نهائيّة شرط الإلتزام بالقوانين والمراسيم المرعية الإجراء والتقيّد بشروط هذا النظام بما يخص الأثر البيئي ومظهر البناء وترتيب الموقع". كما أن المرسوم أفرد فقرة خاصة للمنشآت النفطية والمحروقات، والتي أجيز بموجبها لمؤسّسات تخزين وتوزيع المشتقات النفطية والمحروقات المسالة والحاصلة على ترخيص دائم قبل صدور هذا النظام: "الاستمرار بالعمل بصورة مؤقتة في مواقعها الى أن تحدد الإدارة المختصّة مواقع مخصصة لها خارج النطاق المديني تنتقل إليها، …."

وهذا المرسوم يثير أسئلة عدة: فإذا كان يمنع منح ترخيص (صناعي-فئة أولى) دائم بعد صدور هذا النظام، هل ينطبق ذلك على إقامة أي منشآت جديدة أو توسيع التراخيص الممنوحة سابقًا كما هي الحال في القضية الحاضرة حيث تمّ إضافة 20 خزانًا فضلًا عن اشتمال الترخيص للمرة الأولى تخزين الغاز وليس فقط النفط السائل؟ والسؤال يصبح أكثر إلحاحًا بشأن النشاطات النفطية التي نص المرسوم على أنها تستمر بصورة مؤقتة؟ فكيف نفسّر عبارة "الاستمرار بالعمل بصورة مؤقتة"؟ هل هي توجب بأية حال على المستثمر الاستمرار بما هو قائم حتى استهلاكه من دون إقامة أيّ منشآت جديدة أو توسيع المنشآت الموجودة، أم أنها تعني الاستمرار في ممارسة النشاط النفطي إلى حين إقامة منطقة أخرى؟

وإذ طرحنا السؤال المذكور على المدير العام للتنظيم المدني بالتكليف علي رمضان، أفادنا أن الاستمرار بالعمل بصورة مؤقتة يعني الاستمرار بالعمل إلى حين تحقق الشرط المنصوص عنه بالنظام، ألا وهو أن تحدّد الإدارة أماكن مخصصة لتنقل إليها، مُعربا عن تحفّظه عن إبداء أيّ تفسير أو رأي شخصيّ عن نية التشريع، ومؤكدا أن أحدا لم يطلب رأي المجلس الأعلى في تفسير وتوضيح مرسوم تصديق التصميم التوجيهي ونظام المنطقة. وقد زوّدنا رمضان بإحالة المديرية العامة للتنظيم المدني بتاريخ 4 شباط 2026، والتي أعدّتها، على ضوء كتاب رئاسة الحكومة حول السؤال المقدم من عدد من النواب حول السند القانوني للأعمال والذي يؤكد على ما تقدم. ونستشفّ من هذه الإحالة أن المجلس الأعلى للتنظيم المدني قد أكد في قراره رقم 16/2023 التزامه بمندرجات قرار مجلس شورى الدولة رقم 413 الصادر عام 2022 في قضية يونيغاز"، علما أن هذا القرار قد تمن حرفيا أنّ "حق المؤسسة بالاستثمار قائم سواء عمدت الشركة الى التوسّع في استثمارها أو الإبقاء عليه على حاله…. وبالتالي إن التوسّع في الاستثمار، المنسجم مع شروط السلامة العامة الواردة في المرسوم 5509/94 لا ينشئ بحد ذاته حقوقا مكتسبة كانت قائمة أصلا استنادا إلى ترخيص سابق بالاستثمار، كما أنه لا يحول من جهة أخرى دون ممارسة الإدارة المختصة الصلاحيات المناطة بها وفقا لأحكام المرسوم 9949/2013 في أي وقت عبر تحديد مواقع أخرى للاستثمار."

وقد أكّد رمضان للمفكرة انطلاقا من ذلك أن النصّ يسمح لجميع انواع الاستثمارات المسموح بها وفقا للقوانين والمراسيم المرعية الإجراء ما عدا المؤسسات المصنفة من الفئة الأولى بالمرسوم 5243/2001 والمرسوم 4917/94. مشيرا إلى أن المرسوم أجاز للمؤسسات المصنفة من الفئة الأولى والحاصلة على ترخيص دائم قبل صدور هذا النظام الاستمرار بالعمل بصورة نهائية شرط الالتزام بالقوانين والمراسيم. وقد برر رمضان عدم أخذ موافقة التنظيم المدني على الترخيص، بأنه لا حاجة لذلك بعد وضع نظام أو تصميم توجيهي للمنطقة ملزم للإدارات كافة التي تتولى منح التراخيص. وعليه يؤكد رمضان للمفكرة أن:" آلية الترخيص في هذا الملف وعمليتها لم تكن تحت أعين التنظيم المدني،" وسرعان ما يضيف: "مش معناتها صح أو غلط، معناتها أنا ما بقدر فيدك عن آلية الترخيص، ولكن على البلديات المعنية بموجب كشوفات فنية وخرائط تصدر عن المصلحة الفنية في اتحاد بلديات المتن، أن تحرص بدورها على ضمان احترام التصميم التوجيهي والنظام التفصيلي للمنطقة، لدى منحها تراخيص البناء، وحيث يمكن مراجعة البلدية بهذا الخصوص."

وعلى نقيض ذلك تماما، يشير لنا مرجع وخبير مطلع في التنظيم المدني، تحفّط عن ذكر اسمه، أن كل التراخيص بتوسعة المنشآت "موضوع الطعن" هي حكما مخالفة لتنظيم المنطقة. ويسند المصدر موقفه إلى أهداف وجوهر تنظيم المنطقة عام 2013: "إذا المخطط التوجيهي كرّس وأرسى تنظيما للمنطقة ومنع أي زيادة بمؤسسات الفئة الأولى، وجعل تواجد مؤسسات تخزين وتوزيع المشتقات النفطية والمحروقات المسيلة الحاصلة على ترخيص مسبق ودائم، مؤقتا، فإن زيادة خزان واحد وليس 20 حكما يتعارض مع نية التشريع وغايته الأساسية والأسباب الموجبة الدافعة لمرسوم تصديق التصميم التوجيهي وينتهك أحكامه الواضحة بهذا الشأن." ويرى المصدر أن التفسير المعتمد من شورى الدولة إنما يعطّل عمليا مفهوم المنطقة الانتقالية وتنفيذ أهم مواد مرسوم تصديق التصميم التوجيهي للمنطقة ونظامها. فلو توجّهت نية التشريع إلى إمكانية التطوير والتوسّع لما أتى النص بعبارة: "الحاصلة على ترخيص دائم قبل صدور هذا النظام، لأن أيّ تطوير وتوسّع في الاستثمار ثابت قانونا أنه يحتاج الى تراخيص جديدة، وهو ما حرّمه المرسوم 9949." كما يتمسّك المصدر بوضوح ودقة عبارة الإستمرار بالعمل بصورة مؤقتة أي استمرار ما هو قائم" ويشير إلى أن الإستمرار لا ينطوي على الاستحداث ولا على التطوير، بل استمرار الوضع على ما هو عليه، وأن لا اجتهاد في معرض النص الواضح والصريح. بمعنى أن المؤسسات القائمة تبقى قائمة بما عليه، أي أن الإدارة تحفظ لها استثمارها إلى حين نفاذه واستهلاكه، حتى لا تخرب بيوت الناس، ولكن حتما لا يُجاز لهذه المؤسسات أيّ إضافة لتطوير شغلها، طالما أن المنطقة انتقالية". ويوضح المرجع: "الصورة المؤقتة وُضعت كي يستعيد صاحب المصلحة استثماره قبل أن يتم نقله، وقد لحظها المشرع كي يوازن ما بين المصلحة العامة والمؤسسات، وعليه إلى أن يتآكل استثمارها الاقتصادي ويستهلك تدريجيا تكون الإدارة عملت على تخصيص أماكن محددة يتم الانتقال إليها، بمعنى أنه ما هو قائم قائم لحين نفاذه وفق مبدأ الـ Amortissement، فكيف يعقل أن أضيف استثمارا جديدا وبهذا الحجم الهائل؟" ويحسم المصدر للمفكرة: "حتمًا ما يحصل وما تم ترخيصه يتنافى وأحكام التصميم التوجيهي ونظام المنطقة وفلسفته".

وعن أخذ رأي التنظيم المدني، يصرّح المرجع المطلع نفسه: "مظبوط ما في دور للمجلس الأعلى أو للتنظيم المدني، لأن سبق وكرّس خبرته ودراساته وموقفه بالتصميم التوجيهي والنظام التفصيلي وصمم هذه المنطقة بشكل واضح، وجعلها انتقالية". ويحسم: "لا حاجة تاليا لرأي التنظيم عن جديد، لأنه لزوم ما لا يلزم، نص المرسوم موجود وواجب التطبيق من قبل جميع الإدارات". ويلفت المرجع، في حديثه للمفكرة، لكون هذا النظام مصدّقًا بمرسوم وبالتالي يعلو كل القرارات، بما فيه قرار الإدارات جميعها والتي يبقى عليها أن تتقيّد بأحكامه. ويختتم المرجع الإداري حديثه: "مش مطلوب أخذ رأي التنظيم وإنما المطلوب قراءة نص المرسوم الواضح والتقيّد به، بحيث أن المخالفة الجوهرية تكمن في نسف مخططات التنظيم المدني وتصاميمه التي صدقت بمراسيم نافذة ومرعيّة الإجراء." وهو يستنكر التواطؤ الحاصل ويقول: "فرن مناقيش بجرة غاز 50 كيلو، بدو يحترم نظام المنطقة أو يأخذ رأي التنظيم والبيئة، كيف خزانات نفط وغاز بهذا الحجم الهائل؟ الله يستر".

في الاتجاه نفسه، تذهب عبير سقسوق، المهندسة والباحثة والمخططة المدينية، في تفسيرها لأحكام التصميم التوجيهي للمنطقة مؤكّدة أن النصّ "سمح بالاستمرار المؤقّت بالعمل لمن حازوا على تراخيص دائمة قبل صدور النظام، فيما أنّ لا مجال للحديث عن تراخيص جديدة لهذه المؤسسات بعد صدور هذا النظام، وإن أي ترخيص جديد للإضافات في هذا الموقع مخالف لأحكام وروحية نظام المنطقة الذي أعاد النظر في المنطقة وعدّل بشروط وظيفة استخدامها." كما تضيف سقسوق أنّ القرارات الصادرة عن الإدارة تتناقض مع أحكام الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية المناط التنظيم المدني بمسؤولية تنفيذها.

وأمام محاولة تطويع أحكام نص مرسوم تصديق التصميم التوجيهي للمنطقة والالتفاف على جوهره، أشارت سقسوق إلى ضرورة تدخل التنظيم المدني الذي نص على الصورة المؤقتة، لحماية الشاطئ والمنطقة بعد التوسع العمراني والاقتصادي الحاصل. وتلفت إلى ضرورة تحرّكه، إما بالعمل على تعديل النص بعد مرور أكثر من 10 سنوات إن وجد بأن هذا المرسوم ما عاد قادرا على حماية المنطقة وتأمين السلامة العامة وحماية الشاطئ من التلوث وتحقيق أهدافه التنظيمية، وإما أن يتقدّم بمسار آخر لتأمين الأماكن المخصصة لهذه الغاية والمنصوص عنها، باعتبار أن مهمة التنظيم هو حرصه على المصلحة العامة بكيفية تخطيط المناطق.

بدوره، يلتقي المحامي علي عبّاس مع المصدر المطلع ومع سقسوق لجهة تفسير المرسوم مؤكدا أن المشرع كان واضحا لجهة إعادة النظر بالاستعمال الوظيفي للمنطقة، تماشيا مع متطلبات السلامة العامة والخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، ولاعتبار أن هذه المنطقة ما عادت قادرة على استيعاب خزانات ومنشآت جديدة للنفط والغاز، ولكنه، وبما أن هناك أمر واقع واستثمار سابق الوجود، فقد أبقى على استثمار التراخيص السابقة بصورة مؤقتة الى أن تنقلها الإدارة إلى أماكن أخرى، الأمر الذي يفرض حتما عدم إمكانية أي توسعة أو إضافة لأي خزانات جديدة". كما إنه ينبّه إلى أن وزارة الصناعة ما زالت تصنّف منشآت كورال على أنها فئة ثانية بما يتعارض مع أرض الواقع وطبيعة نشاطها بتخزين الغاز المسال المستجدّ، والذي يحتّم تصنيفها فئة أولى، وهو تصنيف يمنع أي ترخيص به بموجب المرسوم 9949/2013.

غياب دراسة تقييم الأثر البيئي كإجراء جوهري سابق

كما سبق بيانه، تم الترخيص للأعمال ومباشرة العمل فيها في ظلّ غياب دراسة الأثر البيئي الأصول. وما لا يقلّ خطورة، هو أداء السلطات المعنية، وفي طليعتها وزارة البيئة، التي غضّت النظر عن تطبيق أحكام القانون أو أتى تدخّلها متأخّرا، ليشكّل تجاوزًا إضافيّا تكاد تحوّل النصوص البيئية إلى نصوص شكليّة تطبق على نحو يؤدي إلى إدارة الضرر البيئي وتشريعه أكثر مما تطبّق لمنع الضرر أو تداركه.

وفي التفاصيل، رصدت المفكّرة بعد صدور قرار شورى الدولة بوقف تنفيذ الأعمال، التفافًا غير مشروع لوزيرة البيئة د. تمارا الزين، على قانون أصول تقييم الأثر البيئي. إذ طلبت، عبر كتاب وجّهته لمحافظ جبل لبنان في تاريخ 12 شباط 2026 (أي بعد المراجعات الإدارية والقضائية)، من شركة دي كورال إعداد دراسة "تدقيق بيئي". وبعد أقل من 30 يوم عمل من هذا الطلب، منحت وزارة البيئة موافقتها على استكمال الأعمال ببناء المنشآت الإضافية المخصصة لتخزين الغاز السائل وغيرها من المشتقات النفطية، وفق ما جاء في تقرير اللجنة الفنية.

وتظهر وقائع هذه القضية، أن تحرّك وزارة البيئة يبقى خارج موضعه القانوني، لحصوله بعد المراجعات الإدارية والقضائية وحتى بعد إنجاز معظم الأعمال. إذ أتى كمحاولة لتبييض التراخيص المشوبة بعيوب، في حين أن دراسة تقييم الأثر البيئي هي عملية سابقة للترخيص وأن أي مباشرة للأعمال قبل إنجاز هذه الدراسة إنما يشكل جرما جزائيا وفق المادة 15 من المرسوم 8633/2012. وما يفاقم من هذه المخالفة، هو أن الوزارة اكتفت بتكليف الشركة بدراسة "تدقيق بيئي" فيما أنّه يقتضي في القضية الحالية إعداد دراسة تقييم الأثر البيئي، وهي دراسة بل عملية أكثر تعمّقا وشموليّة. وهذا ما يتحصل من الملحق رقم 1 للمرسوم 8633 وهو الملحق الذي عدّد المشاريع التي يجدر ححكما إنجاز دراسة أثر بيئي قبل مباشرة العمل فيها، ومنها إنشاء الخزانات (المشاريع التي تشكل مصدرا للتلوث أو الإزعاج).

وكانت الوزيرة الزّين قد صرّحت لجريدة الديار "بأنّ الوزارة تعمل على إعداد كتاب رسمي لطلب وقف الأعمال مؤقتا، إلى حين استكمال الإجراءات القانونية". وهذا ما يصفه المحامي عبّاس على أنه محاولة تطبيع من الإدارة مع التجاوزات وتشريع لها: "آخر البدع . أقلّ ما يقال فيها فذلكة غريبة عجيبة لتشريع الملف"، ويستنكر عباس تقاعس وتواطؤ الإدارة التي تضع العربة قبل الحصان، من منطلق: "خلصوا شغل ومنرجع منشوف الأثر البيئي".

ولا يرد على ذلك أن الترخيص بأعمال الشركة يعود للعام 1931، فذلك لا يعفيها من التقيّد بالقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، خاصة مع تغيير طبيعة المواد المخزّنة والقيام بأعمال توسعية بهذه الضخامة، وهو الأمر الذي أكّده الشورى بحكمه في قضية يونيغاز. كما أكده مرجع قضائي طلب عدم ذكر اسمه للمفكّرة، مؤكدا أن التذرّع "بأن المشروع قائم ويعمل" للتنصل من دراسة الأثر البيئي لا يستقيم، طالما أن المشرّع قد حدد أصولا ماهية المشاريع الواجب خضوعها حكما لدراسة تقييم الأثر البيئي ومسار هذه العملية، دون التمييز بكونها قائمة أم لا. وشدد المرجع نفسه على أن دراسة تقييم الأثر البيئي لا يمكن أن تختزل بأيّ إجراء شكليّ إداريّ آخر، والقول بخلاف ذلك يشكل انتهاكا واضحا وصريحا.

وفي سياق بحثها، استحصلت المفكّرة القانونية على كتاب مراسلة يعود لتاريخ 2018، موجّه من وزير البيئة يومها طارق الخطيب الى وزير الأشغال العامة والنقل يوسف فينيانوس، يوضح الدراسة البيئية المطلوبة في إطار النظر في طلبات معالجة المخالفات الواقعة على الأملاك البحرية وفق القانون 45/2017. وقد جاء فيها صراحة وجوب وضع دراسة تقييم بيئي دون الاكتفاء بالتدقيق البيئي في حال كان المشروع قائما وفي صدد التّوسيع وأيضا في حال كان المشروع غير قائم بعد. بمعنى أن التدقيق البيئي يكتفى به فقط في حال كان المشروع قائما ويعمل.

ومع التحفّظ على مدى صوابية هذا الاجتهاد في التمييز الذي ذهبت إليه الإدارة أو عدمه، في ظل وجود نصوص قوانين حماية البيئة ومرسوم أصول تقييم الأثر البيئي، إلا أنه كفيل بكشف التجاوزات الحاصلة، حيث يتبدّى بجلاء أنه لا يمكن الإكتفاء بدراسة تدقيق الأثر البيئي، حتى وإن كنا أمام مشروع قائم ويعمل وبصدد التوسّع. وعليه، يتبدّى أن وزارة البيئة لم تخالف النصوص القانونية المرعية الإجراء وحسب، وإنما انحرفت أيضا عن التوجّه المعتمد عنها بالذات.

وتعليقا على موقف وأداء وزارة البيئة في القضية، يؤكّد الباحث د.هشام يونس رئيس جمعية الجنوبيون الخضر، أنه حتما يتعارض مع طبيعة ووظيفة التدقيق البيئي (Environmental Audit) كما حددها التشريع اللبناني، باعتباره أداة مخصصة للمشاريع والمنشآت القائمة لتقييم مدى التزامها البيئي وتصحيح المخالفات استناداً إلى خط الأساس البيئي القائم والآثار الفعلية الناجمة عن التشغيل، وليس بديلاً عن تقييم الأثر البيئي المطلوب قانوناً للمشاريع أو التوسّعات الجديدة. فالتوسعة المقترحة، وفق يونس: "تشكل بحدّ ذاتها مشروعاً جديداً يستوجب إخضاعه لتقييم أثر بيئي مسبق يحدد خط الأساس البيئي المرجعي ويدرس الآثار المحتملة والبدائل المتاحة وملاءمة الموقع قبل اتخاذ قرار بالموافقة عليه." ويلفت يونس في هذا السياق، إلى أن تقييم الأثر البيئي "يجسّد مبدأ الوقاية (Precautionary Principle) من خلال منع الضرر البيئي المحتمل قبل وقوعه، في حين يفترض التدقيق البيئي وجود المنشأة وانطلاق نشاطها ويقتصر على تقييم الامتثال البيئي ومعالجة أوجه القصور القائمة." ويشدّد يونس على أن: "استخدام التدقيق البيئي في هذا السياق لا يخلط بين أداتين مختلفتين فحسب، بل يقوّض عملياً أحد المرتكزات الأساسية لتقييم الأثر البيئي ذاته."

كذلك، يشرح يونس:" أن ما أورده القرار لجهة الاكتفاء بالالتزام بخطة الإدارة البيئية والتعهد بتنفيذها لا يعالج هذا الخلل، لأن خطة الإدارة البيئية تُعدّ أداة للتخفيف والإدارة والرصد (Mitigation, Management and Monitoring)، وليست أداة لتقييم ملاءمة الموقع أو إثبات المقبولية البيئية للمشروع. فهذه الخطة تفترض اتخاذ قرار بالموافقة على المشروع، ولا تجيب عن الأسئلة الجوهرية التي يُفترض أن يعالجها تقييم الأثر البيئي، ولا سيما تحديد خط الأساس البيئي المرجعي، وملاءمة الموقع، والبدائل الممكنة، والمقبولية البيئية للتوسعة." وعليه، يخلص يونس إلى أن القرار لا يقتصر على استبدال أداة تقييم بأخرى، بل ينقل عملية صنع القرار من مرحلة التحقق من مقبولية المشروع بيئياً إلى مرحلة إدارة آثاره بعد التسليم به، بما يؤدي إلى إحلال أدوات إدارة الأثر محل أدوات تقييمه.

وعليه، يشكّل هذا النهج انحرافا خطيرا، خاصة وأن "قضية كورال" ليست بالنموذج اليتيم الذي تتخاذل فيه الإدارات العامة عن تطبيق قوانين حماية البيئة وأصول تقييم الأثر البيئي من جهة، وعن ملاحقة مرتكبي الجرائم البيئية من جهة أخرى. حيث سبق للإدارة ووزارة البيئة خصوصا أن قوّضت جوهر تقييم الأثر البيئي، ونسفت أهدافه محوّلة إياه من "أداةٍ لحماية البيئة إلى أداةٍ لإدارة الضرر وتطبيع الانتهاك وتغطيته إداريا وقضائيا، وهي نتيجة مباشرة لبنية حوكمة تضعف الإلتزام القانوني وتفرغ الأدوات الوقائية من مضمونها وتحولّها الى أداة لإدارة الضرر بعد وقوعه ومن وسيلة لاتخاذ القرار إلى أداة لتبريره"1.

 

تمّ إنجاز هذا المقال في إطار المشروع المشترك بين المفكرة القانونية ومبادرة سياسات الغدّ: "المناخ والأرض والحقّ: السّعي الى العدالة الإجتماعية والبيئية في المنطقة العربية".

 


1. المفكرة القانونية، هشام يونس، “تقييم الأثر البيئي” أداةٌ لحماية البيئة أم لإدارة الضرر وتطبيع الانتهاك؟ أشغال الشواكير وشاطئ العباسيّة نموذجًا

More periodicals

view all
Search
Back to top